فخر الدين الرازي

390

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فيه قولان : أحدهما : أنه متعلق بما قبله ، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه : أحدها : كأنه قال وعفا عنكم إذ تصعدون ، لأن عفوه عنهم لا بد وأن يتعلق بأمر اقترفوه ، وذلك الأمر هو ما بينه بقوله : إِذْ تُصْعِدُونَ والمراد به ما صدر عنهم من مفارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين لا يلوون على أحد وثانيها : التقدير : ثم صرفكم عنهم إذ تصعدون . وثالثها : التقدير : ليبتليكم إذ تصعدون . والقول الثاني : أنه ابتداء كلام لا تعلق له بما قبله ، والتقدير : أذكر إذ تصعدون وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : قرأ الحسن إذ تصعدون في الجبل ، وقرأ أبي إذ تصعدون في الواد وقرأ أبو حيوة إذ تصعدون بفتح التاء وتشديد العين ، من تصعد في السلم . المسألة الثانية : الإصعاد : الذهاب في الأرض والإبعاد فيه ، يقال صعد في الجبل ، وأصعد في / الأرض ، ويقال أصعدنا من مكة إلى المدينة ، قال أبو معاذ النحوي : كل شيء له أسفل وأعلى مثل الوادي والنهر والأزقة ، فإنك تقول : صعد فلان يصعد في الوادي إذا أخذ من أسفله إلى أعلاه ، وأما ما ارتفع كالسلم فإنه يقال صعدت . المسألة الثالثة : ولا تلوون على أحد : أي لا تلتفتون إلى أحد من شدة الهرب ، وأصله أن المعرج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته ، فإذا مضى ولم يعرج قيل لم يلوه ، ثم استعمل اللي في ترك التعريج على الشيء وترك الالتفات إلى الشيء ، يقال : فلان لا يلوي على شيء ، أي لا يعطف عليه ولا يبالي به . ثم قال تعالى : وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ كان يقول : « إلى عباد اللّه أنا رسول اللّه من كر فله الجنة » فيحتمل أن يكون المراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ، ولا يتفرقوا ، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يدعوهم إلى المحاربة مع العدو . ثم قال : فِي أُخْراكُمْ أي آخركم ، يقال : جئت في آخر الناس وأخراهم ، كما يقال : في أولهم وأولاهم ، ويقال : جاء فلان في أخريات الناس ، أي آخرهم ، والمعنى أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم وهو واقف في آخرهم ، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه . ثم قال : فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ وفيه مسائل : المسألة الأولى : لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا في الخير ، ويجوز أيضاً استعماله في الشر ، لأنه مأخوذ من قولهم : ثاب إليه عقله ، أي رجع إليه ، قال تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ [ البقرة : 125 ] والمرأة تسمى ثيباً لأن الواطئ عائد إليها ، وأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيراً أو شرًّا ، إلا أنه بحسب العرف اختص لفظ الثواب بالخير ، فإن حملنا لفظ الثواب هاهنا على أصل اللغة استقام الكلام ، وإن حملناه على مقتضى العرف كان ذلك وارداً على سبيل التهكم ، كما يقال : تحيتك الضرب ، وعتابك السيف ، أي جعل الغم مكان ما يرجون من الثواب قال تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * [ التوبة : 34 ] .